كل يوم تقريباً تظهر أداة جديدة للذكاء الاصطناعي. تصعد أداة وتصبح حديث الجميع، ثم تظهر أداة أخرى تنافسها أو تستبدلها، ثم شركة ثالثة تقدّم قدرات جديدة، وهكذا تستمر الدوّامة.
وسط هذه الضوضاء، يظهر سؤال أهم بكثير من سؤال: ما الأداة التي يجب أن أتعلّمها اليوم؟
السؤال الحقيقي هو: ما المهارة العابرة لكل هذه الأدوات؟ ما المهارة التي إن تعلّمتها اليوم، ستستطيع استخدامها غداً مع أي أداة جديدة، مهما تغيّرت الشركات والنماذج وواجهات الاستخدام؟
الإجابة هي مهارة تعلّمناها منذ أيام المدرسة: التعبير.
الشخص القادر على التعبير عن نيّته، ووصف ما يدور في ذهنه، وتحويل أفكاره إلى كلام واضح ومفصّل، سيكون قادراً على استخدام أي أداة ذكاء اصطناعي تقريباً. لن يحتاج إلى البدء من الصفر كلما ظهرت أداة جديدة، لأن الأداة تتغيّر، لكن المبدأ الذي تعمل به لا يتغيّر كثيراً.
المقصود بالتعبير هنا ليس الكتابة الأدبية، ولا استخدام كلمات معقّدة، ولا صياغة أمر مثالي خالٍ من الأخطاء. المقصود هو قدرتك على نقل الصورة الموجودة في رأسك إلى النموذج: ماذا تريد؟ لماذا تريده؟ ما المعلومات التي يحتاج إلى معرفتها؟ وما الشكل الذي ستعتبر عنده أن النتيجة ناجحة؟
كلما أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على التنفيذ، أصبحت هذه المهارة أكثر أهميّة.
في الماضي، كان ثمن الطلب السيئ محدوداً لأن النماذج كانت أبسط وقدراتها أقل. قد تطلب من النموذج كتابة رسالة، فيفهمك بشكل خاطئ ويعطيك رسالة ضعيفة. أو تطلب منه بحثاً، فينتج بحثاً لا يجيب عن سؤالك. النتيجة سيئة، لكن الضرر محدود.
أما اليوم، تضخّمت قوّة النماذج، وأصبح النموذج وكيلاً بصلاحيّات كبيرة وبيئة تنفيذيّة. فقد تعطي الوكيل توجيهاً يعمل عليه ساعة أو ساعتين، أو تسمح له بتعديل مشروع كامل، أو إنشاء عشرات الملفّات، أو تنفيذ سلسلة طويلة من الخطوات. إن كان طلبك غامضاً من البداية، فلن ينتج الوكيل إجابة سيئة فقط؛ بل قد ينفّذ عملاً كاملاً في الاتجاه الخطأ.
كلما اتسعت قدرة الوكيل على التنفيذ، ارتفع ثمن الغموض.
هل ما زلت بحاجة إلى هندسة الأوامر؟
كانت هندسة الأوامر، أو الـ Prompt Engineering، مهمّة جداً مع النماذج القديمة. احتاجت تلك النماذج إلى توجيه دقيق، وصياغات محددة، وأدوار من نوع: «تصرّف كأنك خبير تسويق» أو «أنت مدرّس رياضيات»، بالإضافة إلى مجموعة من التقنيات التي تساعدها على فهم المطلوب.
نماذج اليوم أقدر بكثير على فهم اللغة الطبيعية. لم تعد بحاجة إلى حفظ عشرات القوالب والتقنيات حتى تجعل النموذج يفهم أنك تريد منه تحليل حملة تسويقية أو شرح مسألة رياضية.
لكن اختفاء الحاجة إلى كثير من الطقوس القديمة لا يعني أن النموذج أصبح يعرف ما يدور في رأسك.
انتقلت المشكلة من البحث عن الصياغة السحرية إلى القدرة على تقديم شيئين أساسيين:
- السياق الكافي.
- تعريف واضح لشكل النجاح.
السياق هو كل ما يحتاج النموذج إلى معرفته حتى ينفّذ المهمّة بشكل صحيح. قد يكون معلومات عنك، أو عن شركتك، أو عن العميل، أو عن المشروع، أو عن القرارات السابقة، أو عن المشكلة التي تحاول حلّها.
قد تكون هذه المعلومات بديهيّة بالنسبة إليك، لأنك تعيش داخل المشروع وتفكّر فيه كل يوم، لكنها غير موجودة عند النموذج. لذلك لا يمكنك أن تلومه على نتيجة ناقصة إن كنت قد أعطيته جزءاً صغيراً فقط من الصورة.
أما تعريف النجاح، فهو أن تخبر النموذج كيف تبدو النتيجة الجيدة فعلاً.
عندما تقول له: «صمّم لي موقعاً جميلاً»، فما معنى «جميل»؟ جميل بالنسبة إلى من؟ وما الهدف من الموقع؟ ومن سيستخدمه؟ وما الشعور الذي يجب أن يتركه؟ وما العناصر التي يجب الحفاظ عليها؟ وما الأشياء التي يجب تجنّبها؟
وعندما تقول: «اكتب لي تقريراً ممتازاً»، فما الذي يجعل التقرير ممتازاً؟ هل تريده مختصراً أم شاملاً؟ هل سيقرأه شخص تقني أم صاحب عمل؟ هل يجب أن ينتهي بقرار، أم مقارنة، أم خطة تنفيذ؟
الكلمات مثل «جميل» و«ممتاز» و«احترافي» ليست معايير. إن لم تعرّفها، سيضطر النموذج إلى الاجتهاد من عنده، وقد يفاجئك بنتيجة لم تكن تريدها.
الغموض يترك فراغاً، والنموذج سيملأ هذا الفراغ بافتراضاته.
كيف تقوّي عضلة التعبير؟
تعامل مع الذكاء الاصطناعي كأنه زميل يعمل معك.
هذه ليست دعوة للاعتقاد بأن النموذج إنسان، بل طريقة ذهنية تساعدك على الكلام بشكل طبيعي. عندما تتخيّل أنك تشرح المهمّة لزميل، ستذكر له خلفيتها، وما الذي جرّبته سابقاً، وما الذي تخشاه، وما النتيجة التي تريد الوصول إليها.
أما عندما تتعامل مع النموذج كآلة غريبة تحتاج إلى أوامر قصيرة ومحسوبة، فغالباً ستختصر معلومات كان يحتاج إليها.
لا تجعل حرصك على الصياغة يمنعك من تقديم الصورة الكاملة.
النموذج لا يهتم كثيراً بأخطائك الإملائية، ولا يحتاج منك إلى مقدمة مثالية. يمكنك أن تبدأ بشرح عفوي، أو تغيّر رأيك أثناء الكلام، أو تصحح نقطة قلتها قبل قليل. النماذج الحالية قادرة غالباً على فهم الصورة النهائية من هذا الكلام.
استخدم الكتابة الصوتية.
الكلام أسرع وأكثر طبيعيّة من الكتابة بالنسبة إلى كثير من الناس. تستطيع خلال دقائق أن تشرح خلفية المهمّة، والنتيجة التي تتصورها، والأخطاء التي تريد تجنّبها، والتفاصيل التي يصعب عليك ضغطها في ثلاثة أسطر.
بدلاً من قضاء وقتك في محاولة صناعة أمر مثالي، تكلّم مع النموذج كما تتكلّم مع زميل تريد منه تنفيذ مهمّة مهمّة. أعطه كل ما تعرفه، ثم اطلب منه أن يعيد شرح ما فهمه، وأن يحدّد المعلومات الناقصة قبل أن يبدأ التنفيذ.
هذه المهارة لا تنتمي إلى أداة واحدة. سواء استخدمت ChatGPT، أو Claude، أو Gemini، أو Codex، أو أي أداة ستظهر لاحقاً، فأنت في النهاية تتعامل مع نموذج يحتاج إلى سياق، وإلى فهم واضح للمطلوب، وإلى معيار يعرف من خلاله متى نجحت المهمّة.
الأدوات ستتغيّر، وواجهات الاستخدام ستتغيّر، والشركات التي تتصدّر المشهد ستتغيّر أيضاً. أما قدرتك على إخراج الفكرة من رأسك، وشرح نيّتك، وتعريف النتيجة التي تريدها، فهي مهارة ستنتقل معك من أداة إلى أخرى.
لذلك، لا تجعل كل تركيزك منصبّاً على ملاحقة الأدوات. تعلّم كيف تفكّر بصوت واضح، وكيف تمنح الذكاء الاصطناعي السياق الذي يحتاج إليه، وكيف تصف النجاح قبل أن تطلب منه الوصول إليه. عندها لن تكون خائفاً من الأداة القادمة؛ لأنك تمتلك المهارة التي تحتاج إليها كل الأدوات.